بصائر المعرفة

مدونة تهتم بقضايا العمران الإنساني تفضل بزيارة مدونتي الأخرى umranyat.blogspot.com

Wednesday, July 28, 2010

بين النار والنور

  • قضيت حوالي ساعتين أمس وأنا أحاول توفيق صرف للحوض مما تبقى عندي من مواسير لكنها لم تف بالمهمة فركبت صرفا جديدا فأنا أحاول قدر اإمكان أن أقوم بإصلاحات البيت بنفسي لا لمجرد التوفير وحسب (الطبع المنوفي يحكم) بل لأني أجد في العمل اليدوي راحة لل...ذهن والنفس كما أنه يتطلب ممارسة عملية لأسلوب حل المشكلات و ونوع من الممارسة العلمية فكما علمنا أجدادنا فإن العلم هو بالأساس ممارسة علمية وضرورة فهم "اقتضاء العلم العمل" كما سمى الخطيب البغدادي كتابه الذي جاء فيه أن أبا الدرداء رضي الله عنه قال " لاتكون عالما حتى تكون متعلما، و لاتكون بالعلم عالما حتى تكون به عاملا" وأذكر ان صديقا يمنيا كان يتندر فيقول أول ما تعلمناه من أستاذ مادة التنظيم هو عدم التنظيم ! فما يلفت النظر حقيقة هو أن الكثيرين من الباحثين والأكاديميين بعيد عن تطبيق المنهج العلمي حتى في أبسط شئون حياته حتى لترى حياته تمضي - كما استنكر سيدنا عمر - تمضي سبهللا بل إنه لايجيد عمل شئ ولو كان ربط صنبور والغريب أن أكثر هؤلاء ممن ابتلوا بالفصام فأغلب هذا الصنف من المتيمين بالغرب ومن أنصار نزعة تقديس العلم بفهمه على النحو الذي تطور في الغرب وهي النزعة التي يسميها البعض العلموية فيخرجون العلم من نطاق عمله لجعله عقيدة قادرة على الإجابة على كل الأسئلة فكأنهم يريدون بنا العودة لعصر التنوير الأوروبي ونزعة العقلانية التي سادت أيامها حيث أصبح للعقل سمات الكلية والثبات والآلية نتيجة لسيادة رؤية الفيزياء الكلاسيكية التي وطدت هذا الفهم وكانت في الوقت نفسه تعبيرا جليا عنه.
  • الغريب أننا بعد عقود طويلة من جهود الاستقلال الحضاري لا زال أحدهم يكتب أن العلم لا يوجد إلا في جامعات الغرب وأن العقل غريب في بلادنا وما هذا إلا للجهل المطبق بطبيعة العلم وحدوده ومقاصده هذا الجهل الذي جعلني أنصرف عن الالتحاق بقسم الاقتصاد مؤثرا قسم العلوم السياسية ففي أولى محاضرات علم الاقتصاد ذكرت أستاذة المادة أن هدف هذا العلم التفسير السببي للظواهر! ولما علقت بانتقاد فكرة علاقات السببية وهو نقد قديم من أيام ديفيد هيوم فضلا عن الغزالي نظرت إلي هذه الأستاذة وقالت بسخرية ربما لا أكون من الذكاء بحيث أفهم كلامك! فصممت على ألا ألتحق بهذا القسم الذي يقدس أساتذته الأفكار كأنها قرآن نزل من السماء حتى القرآن تتفاوت حظوظ الأفهام في تفسيره والنهل من بحار معانيه وهو كتاب الله تعالى لكنه نزل للبشر بلغتهم و بمألوف ألفاظهم و تعبيراتهم وصورهم.
  • ذلك برغم أن العلم كلما نضج أدرك الباحثون فيه حدود ما ياملون ونطاق ما يعملون فيزدادون تواضعا فيسعون لمجرد تفسير ارتباطي احتمالي في حدود وبشروط معينة ربما كانت المشكلة في طبيعة العلم كمنتج اجتماعي ورؤية العلم باعتباره أداة للسيطرة على الطبيعة ثم لاحقا على الإنسان والتي تعبر عنها المقولة المشهورة المعرفة قوة نعم قوة لكن بأي معنى
  • 2- في بداية دراستي للاقتصاد كانوا يلقنوننا أن اهم مفترضات علم الاقتصاد أن الإنسان عاقل ورشيد بمعنى أنه يحسب المكاسب والخسائر ليتخذ قراره الذي يعظم المنفعة وكنت أعجب لهذا المفترض الغريب الذي وفقه لا تكون الصدقة سلوكا رشيدا ولو كانت في اعتقادي س...ببا لدخولي الجنة إلى أن وجدت تفسيرا لهذا المفترض في تاريخ علم الاجتماع ورائده العبقري ماكس فيبر الذي مر قبل وصوله لذروة إبداعه بـ"مرض" عقلي أحسب أنه لم يكن قد تكيف بعد مع امراض الغرب فماكس فيبر ربما يكون من أوائل من فكروا في تناقضات الفكر الغربي وحل مشكلات العلمانية أو الدنيوية وما يرتبط بها من فصام فرأى أن الحياة الاجتماعية تنقسم إلى مجالات متمايزة كل منها يحكمه منطقه الخاص فالاقتصاد يحكمه منطق الربح والسياسة القوة الخ و لا يصح الحكم على أي مجال بغير منطقه الخاص أو تعدية منطق مجال معين إلى غيره وهو تقسيم له نفس منطق العلوم الاجتماعية التي جزات وفصصت الإنسان وتنازعته مادة وموضوعا لها، للسيطرة عليه تاليا كما سيطر الغرب بالعلوم الطبيعية على الطبيعة (كما ظنوا) ولما كان العلم في هذه المرحلة يتمتع بجماية الدولة القومية الناشئة في مواجهة التفسيرات المنحرفة للدين وكانت الدولة القومية في حاجة لدين مادي يدعم مقولاتها "الوثنية" فإنها وجدت في العلم - مع اطراد إنجازاته الباهرة- ضالتها فأصبح العلم كما يقرر كارل فييرآبند دينا للدولة بكل ما يحمله الدين من خصائص ففيه تفسيروما لم بنجح في تفسيره العلم اليوم سينجح في تفسيره غدا كل شيء وأسدل على العلم سمات القداسة بدعوى أنه طريق الحقيقة الوحيد الذي يتسم بالمنهج الصائب والقدرة على التصحيح الذاتي والتطور المستمر في خط صاعد
  • والعلم الاجتماعي وفق هذا التصور هو بالأساس علم للهندسة الاجتماعية فحتى الثقافة وهي أخص خصائص الإنسان كماهية مخصوصة عن بقية الموجودات لابد من "التدخل" لتغييرها وفق أهداف هذه الهندسة.
  • هذه الرؤى ارتبطت بتحول مفهوم المعرفة من ارتباطه بالكلمة أو اللوجوس إلى الحساب Ratio تحول يتمايز وينتسب في أن واحد للتصور اليوناني للمعرفة عن باعتبارها نارا مسروقة من الآلهة التي تحجبها عن البشر لئلا ينازعونها مكانتها فالبشر قد قد يرتقون بقوتهم إلى مصاف الآلهة أو ينزل الإله من عليائه بعد أن فتنته فتاة ويتحول بشرا أو حيوانا كما في الأساطير اليونانية فهناك تعددية وجودية يقابلها تضارب معرفي في حين أن عقيدة التوحيد تقرر واحدية وجودية حاكمة للتصورات المعرفية وما ينبثق عنها من رؤى وممارسات أخلاقية فالمعرفة قبس من نور الله تعالى "سبحانك لا علم لانا إلا ما علمتنا" " وعلم آدم الأسماء كلها" وهي من فيض مشكاة العليم سبحانه وتعالى فهو جل جلاله الحق فكيف طور المسلمون معارفهم وعلومهم التي دارت وضعا وتطويرا وعملا حول الكتاب الكريم ؟