بصائر المعرفة

مدونة تهتم بقضايا العمران الإنساني تفضل بزيارة مدونتي الأخرى umranyat.blogspot.com

Friday, April 21, 2006

الديمقراطية وإدارة الحكم والتنمية

الفصل الأول من كتاب
بناء المؤسسات الديمقراطية: إصلاح إدارة الحكم في البلدان النامية
الديمقراطية وإدارة الحكم والتنمية
على مدار العقدين الماضيين تم إحراز تقدم معقول في التنمية الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية عبر العالم، فإذ يزيد قدر وسرعة تكامل الاقتصاد العالمي فإن المجتمع العالمي بدوره أصبح أصغر وأكثر ترابطاً فقد جعل السفر والتقدم في الوسائط المتعددة والإنترنت المعلومات أيسر منالاً للعديد من الناس، وبشكل أسرع عن ذي قبل، وأصبحت الاهتمامات العالمية مثل حقوق الإنسان والبيئة و الجريمة تجمع المواطنين من خلفيات متنوعة معاً ليعملوا لغرض مشترك، ونتيجة لذلك نما المجتمع المدني وأصبح أكثر عالمية في عضويته وقائمة أولوياته، وخفضت كل المناطق في العالم معدلات أمية الكبار في الفترة من 1990- 1997 وبلغ هذا الانخفاض 8% في أفريقيا جنوب الصحراء، وهذا تخفيض كبير، وإن كان لا يزال متوضعاً ،وانخفضت نسبة من يعيشون في فقر مدقع في العالم بشكل تدريجي من 29% عام 1990 إلى 23 % في 1999، وثمة زيادة مشجعة في عدد الأقطار التي تطبق خطط عمل لمواجهة الفقر على المستوى الوطني .
ومع ذلك، وبرغم هذه المكاسب، تبقى فجوات خطيرة فبرغم أن ثروة العالم عامة قد زادت فإن الفجوة بين الأغنياء والفقراء اتسعت، ففي العشر سنولت الماضية تحكمت نسبة أصغر فأصغر من سكان العالم في نسبة أكبر فأكبر من ثروة العالم، والأرقام مروعة: فخمس السكان في الأقطار الأكثر ثراءً يتمتعون ب 82 % من تجارة الصادرات المتوسعة و68 % من الاستثمار الأجنبي المباشر، في حين أن الخمس الأفقر لا يحصل إلا على 1% بالكاد، وفي 19 بلد من الإحدى وأربعين بلداً الأقل نمواً أصبح الناس في التسعينات أفقر مما كانوا عليه في العقد السابق بمقياس دخل الفرد.
وتتضح التفاوتات بين الفقراء والأغنياء في كيفية وصولهم واستخدامهم لتقنيات المعلومات والاتصال والنقل. على سبيل المثال، تظل تقنيات الحاسب الآلي والإنترنت غالية الثمن بشكل يمنع استخدامها في العديد من البلدان النامية، ولم يصل ربع بلدان العالم إلى المعدل الأدنى الأساسي هاتف لكل 99 مواطن، وزاد العدد المطلق للأميين في العالم بسبب النمو السكاني، ويوجد 42 % من الفقراء (الذين يعيشون على دولار أو أقل في اليوم) في جنوب آسيا و27% في أفريقيا و 24% في شرق آسيا والباسيفيك. ولا يزال صحيحاً أنه بغض النظرعن أين يعيشون، فإن الفقراء يفتقرون للسلع والخدمات، ويعيشون عمراً أقصر، ويسقطون ضحايا الصراع العنيف.
إن المنظمات الإرهابية والمتطرفة ومنتجو المخدرات ومهربو البشر يؤثرون بشكل خطير على الأمن الإنساني في الاقتصادات النامية والمتقدمة على السواء، ولفتت هجمات 11/9/ 2001 الإرهابية داخل الولايات المتحدة انتباه العالم للامتداد العالمي للمنظمات المتطرفة وتداعياتها المخيفة على الأمان الشخصي والسلام والأمن والتوترات المحتملة بين القطاعات المختلفة في المجتمع والضغوط على مؤسسات الدولة لتوازن بين الاهتمامات الأمنية وحماية حقوق الإنسان لكل المواطنين.
وثمة أسباب عديدة للحرمان البدان النامية: نقص الدخل اللازم للحصول على الضروريات الأساسية بما في ذلك الغذاء والمأوى والخدمات الصحية والتعليمية، والمستوى المنخفض من الأصول التي يحوزها الناس بما في ذلك المهارات، والأرض، والوصول للبنية الأساسية، والادخار، والإئتمان، وشبكات الاتصالات الشخصية، ومع ذلك تشير الخبرة بأن قدرة الناس على تنظيم أنفسهم للمشاركة في العملية السياسية والتأثير على السياسات القومية والحلية والبرامج هو العامل الأهم الوحيد في تحسين الظروف الإنسانية.
إن الديمقراطية وإدارة الحكم الرشيدة - أي المؤسسات الديمقراطية وجودة عمليات وممارسات الحكم – هي عوامل حيوية تؤثر على عملية التنمية والظروف الإنسانية. فعندما يكون الحكم ديمقراطياً - أي مشبعاً بمبادئ المشاركة وحكم القانون والشفافية والمساءلة وما إلى ذلك – فإنه يبدأ في قطع طريق طويل نحو تحسين نوعية الحياة والتنمية الشرية لكل المواطنين.
تطور الديمقراطية في الاقتصادات النامية
نشهد اليوم صعوداً في شعبية الديمقراطية كأهم الوسائل لإنجاز المطامح الفردية وتنظيم المصالح ورعاية وتعزيز المجتمع المدني، فعدد لا يحصي من النظم السياسية والثقافات يشايع ويلتزم بالقيم الأساسية لاحترام الكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة والمشاركة والمساءلة التي تشكل الأساس لحقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الرشيد، إلا أنه حتى مع انتشار الديمقراطية فإن طبيعتها ونماذجها تتنوع، وهذا يصح بشكل خاص في الأقطار النامية والحديثة العهد بالديمقراطية، والتي يكون فيها لعوامل مثل الاختلافات السياسية والثقافية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتاريخ الحكم الديمقراطي فيها والعولمة تأثيراتها على الطريقة والسرعة التي تتطور بها الديمقراطية.
ولأول مرة في التاريخ يفوق عدد الدول الديمقراطية عدد الدول غير الديمقراطية، ويرى البعض أن صعود الديمقراطية ربما كان أهم أحداث القرن العشرين، ويقرر مسح "الحرية في العالم" لعام 2001 – 2002 الذي أجراه "بيت الحرية" أن 65% من سكان العالم يعيشون في دول حرة أو حرة بشكل جزئي تقدم لمواطنيها درجة من الحقوق الأساسية والحريات المدنية، وأظهر المسح أنه من بين دول العالم ال 192 هناك 121 دولة (63%) ديمقراطيات انتخابية، وهذا تغير هام له دلالاته منذ 1987 حيث كان 66 دولة من 167 (40%) تقع في تلك الفئة، ويستمر "مسح الحرية" ليشير إلى" أن الحرية الإنسانية تمتد بشكل مطرد خلال القرن العشرين" وأنه " عند النظر من منظور القرن ككل، فإن الديمقراطية والحريات المدنية أحرزت تقدماً هاماً ومؤثراُ" وأظهرت دراسات الأمم المتحدة أنه منذ عام 1980 "قام 81 بلد بخطوات هامة في الأخذ بالديمقراطية (المقرطة) فجرى إحلال حكومات مدنية محل 53 نظام عسكري"
لقد تم إحراز تقدم هام في الأخذ بالديمقراطية خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين بما في ذلك سقوط الدكتاتورية العسكرية في أمريكا اللاتينية كما حدث في "الأكوادور" و"بيرو"، وظهور "الديمقراطيات الجديدة " في وسط وشرق أوربا بعد سقوط حائط برلين، وإنهاء الحكم الممتد للنظم الدكتاتورية في أفريقيا وأسيا، بما فيها تلك التي كانت في "مالي" و"مالاوي" و"الفلبين"، إلا إن التقدم في الأخذ بالديمقراطية كان أبطأ ما كان في المنطقة العربية، حيث كان لأربعة دول من 17 نظم انتخابية متعددة الأحزاب، برغم أنه كانت هناك فرص متزايدة للمشاركة الشعبية في "الأردن" و"تونس" و"المغرب". و أكثر من ذلك، فإنه قرب نهاية التسعينات نكصت بعض الديمقراطيات الجديدة إلى التسلطية، أو أبطأت عمليات الأخذ بالديمقراطية ومنها" سيراليون" و"روسيا البيضاء" و"الكاميرون" و"أوزبكستان".
لا يعني هذا القول بأن الديمقراطية لا تنطبق على الانتقالات والتحولات الحديثة، بل كما أشار "سافتي" "من "بولندا" إلى "اليمن" ومن "بلغاريا" إلى "تايوان" ومن "ورشيوس"إلى "جواتيمالا"ومن "ألبانيا" إلى "نيجيريا" يبدو الأخذ بالديمقراطية يستجيب لتوق إنساني عالمي للحرية والعيش بكرامة لا يضمر بفعل تنوعنا الثقافي ولا اختلافاتنا العرقية " وبشكل محدد، فإنه بسبب مواجهة الديمقراطيات الجديدة للعديد من التحديات التي لم تواجهها نظيراتها الأقدم فإن الديمقراطية تثبت أنها نظام مرن ومتكيف في ظروف متنوعة ومختلفة.
إن مناخاً متنامياً من الديمقراطايات المعززة وتعزيز الديمقراطية يمهد الطريق لمحاولة تعريف الديمقراطية بطريقة دالة ذات مغزى.
يصف "سيمور مارتن ليبست" التعريفين الأساسيين الجاريين للديمقراطية باعتبارها تعريف "الحد الأدنى" وتعريف "الحد الأقصى" وتبنى "ليبست" نفسه أحد تعريفات "الحد الأدنى" حيث يرى الديمقراطية " كنظام سياسي للحقوق السياسية يحدد كيف يجب اختيار وتولي القيادة في أعلى مستوى وطني في كيان سياسي ما" ومن ناحية أخرى يحدد تعريف "الحد الأقصى" حقوقاً وحريات متنوعة لابد وأن ترتبط بنظام تنافسي إدماجي غير إقصائي للحكومة ويستخدم "لاري دياموند" تعريف الحد الأقصى للديمقراطية باعتبارها تشمل "ليس نظاما مدنياً دستورياً متعدد الأحزاب تجري فيه انتخابات منتظمة حرة ونزيهة واقتراع عام وحسب بل تعددية تنظيمية ومعلوماتية وحريات مدنية واسعة: حرية التعبير والصحافة وحرية تكوين التنظيمات والانضمام إليها وسلطة فعالة للرسميين المنتخبين واستقلال وظيفي للأجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية للحكومة" ومع ذلك فإن عمليات الديمقراطية النامية تقود إلى أشكال ومراحل مختلفة.
في أواخر التسعينات أصبح من الشائع مناقشة سطوة الأصول غير الليبرالية للديمقراطية على تلك الليبرالية وهذه الأخيرة جرى تعريفها بمفاهيم الحد الأقصى على أنها نظام سياسي يتميز ليس بانتخابات حرة نزيهة وحسب، بل أيضاً بحكم القانون وفصل بين السلطات وحماية الحريات الأساسية للكلام والاجتماع والدين والملكية" وتم تعريف الأولى كتآكل " للمارسات الدستورية الأساسية" فإذا تم تعريف الديمقراطية فقط حسب مفاهيم الانتخابات فإنه يمكن أن يكون لدينا ديمقراطية غير ليبرالية أي ديمقراطية يختار فيها الناس الحكومة بحرية وبالتالي ستقتطع وتجتزئ من حرياته،م ويفترض هذا أن الليبرالية والدستورية والانتخابات جديلتان منفصلتان تتضافران ليصنعا حبل الديمقراطية.
وكما تظهر الفصول القادمة فإن زرع عناصر مختلفة من الديمقراطية الليبرالية في الأقطار النامية قد يتحرك في اتجاهات مختلفة ويتبع مسارات مختلفة، وتكون له تداعيات مختلفة على الديمقراطيات الانتخابية، ويمكن أن تصبح أكثر أو أقل ديمقراطية وبصورة مشابهة يمكن أن تتحسن الديمقراطيات الليبرالية أو تتدهور في مستوى المساءلة والاستجابية فيها.
مفهوم إدارة الحكم والعولمة
عندما يسمع أغلب الناس كلمة "إدارة الحكم" يفكرون في الحكومة، ففي النهاية كلاهما به مقطع "حكم" كجذر للكلمة، لكن إدارة الحكم مفهوم يتحدث عما هو أكثر من مجرد الحكومة: إنه قوة معقدة إلا إنها شاملة في كل المجتمعات، فالناس يستخدمون إدارة الحكم في حياتهم اليومية لإدارة علاقاتهم الإنسانية كما تستخدمه الشركات والبلدان لإدارة تفاعلاتها وأنشطتها.
إدارة الحكم مفهوم محايد يضم آليات معقدة وعمليات وعلاقات ومؤسسات من خلالها يقوم المواطنون والجماعات ببيان وتنظيم مصالحهم وممارسة حقوقهم والتزاماتهم والتوسط في خلافاتهم. إدارة الحكم الرشيدة تعنى بتخصيص وإدارة الموارد استجابة للمشكلات الجماعية وتتسم بمبادئ المشاركة والشفافية والمساءلة وحكم القانون والفعالية والإنصاف والرؤية الاستراتيجية.
في الممارسة تترجم هذه المبادئ إلى أشياء حقيقية ملموسة مثل: الانتخابات الحرة النزيهة المتكررة، والهيئة التشريعية التمثيلية التي تضع القوانين وتقوم بالمراقبة، والهيئة القضائية المستقلة التي تفسر القوانين، كما تترجم أيضاً إلى ضمانات لحقوق الإنسان وحكم القانون، وإلى مؤسسات شفافة مسئولة كما تجعل إدارة الحكم الرشيدة السلطة والموارد لامركزية لصالح الحكومات المحلية لتعطي المواطنين دوراً أكبر في الحكم.
وختماً تضمن إدارة الحكم الرشيدة قيام المجتمع المدني بدور فعال في وضع الأولويات وجعل احتياجات أغلب الناس في المجتمع معروفة. إجمالاً تكون إدارة الحكم رشيدة إذا ما كانت تدعم مجتمعاً يمكن فيه أن يوسع الناس خياراتهم بصدد طريقة حياتهم، ويعزز التحرر من الفقر والحرمان والخوف والعنف، ويحافظ على ويستديم البيئة وتقدم المرأة.
عندما نتحدث عن جودة إدارة الحكم في بلد ما فإننا نعني إذن الدرجة التي إليها تكون مؤسساتها (مثل البرلمان) وعملياتها (كالعملية الانتخابية) شفافة وخاضعة للمساءلة أمام الشعب، وتسمح لهم بالمشاركة في القرارات التي تؤثر على حياتهم، وهي الدرجة التي إليها يكون القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني حرة وقادرة على المشاركة. إدارة الحكم الرشيدة أو الديمقراطية تكون حيث تقوم سلطة الحكومة على إرادة الشعب وتستجيب للناس، كما تكون عندما تسمح مؤسسات ديمقراطية مفتوحة بالمشاركة الكاملة في الشئون السياسية وعندما تضمن حماية حقوق الإنسان حق الكلام والتجمع والاحتجاج، وعندما تكون الحكومة والمؤسسات الحكومية معضدة للفقراء ومعززة للتنمية الشرية لكل المواطنين. اختصاراً إنه مفهوم يميز بين مؤسسات وعمليات إدارة الحكم وبين مضمونها نوعيتها.
في عالم اليوم لم يعد ممكناً اعتبار إدارة الحكم نظاماً مغلقاً، فمهمة الحكومة أن تجد توزناً بين الأخذ بمزايا العولمة وتوفير بيئة محلية اقتصادية واجتماعية آمنة ومستقرة، بالأخص لأولئك الأكثر عرضة للتأثر. ومع ذلك فإن العولمة تضع الحكومات موضع إنعام متزايد للنظر، الأمر الذي يعزز سلوكاً أحسن للدولة وسياسات اقتصادية مسئولة . في الدول المتقدمة نتج عن العولمة تقليل الخدمات التي تقدمها الدولة لصالح الخدمات الخاصة، ونظراً لانتشار ظاهرة العولمة عبر العالم فإنها يصحبها انتشار للمؤسسات الإقليمية والعالمية غير المنتخبة ولا المسئولة أمام المواطنين، ويترجم هذا إلى حاجة الدولة لتطوير قدرتها على المناورة ضمن معمار جديد، وإلى تيسير سياسات تعزز التنمية البشرية محلياً في الوقت الذي تحمي فيه المصالح الوطنية عالمياً، وأحياناً تفتقر الدول النامية للقدرة على التفاعل مع المنظمات العالمية مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لأنها أحياناً ما تتفاوض من مركز الضعف. إن الوصول غير الملائم للدول النامية للسوق العالمي والمستوى المرتفع من الإعانات والدعم الزراعي الذي تقدمه الدول المتقدمة له آثار سلبية على حياة المزارعين الفقراء في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وتوجد أيضاً علاقة متزايدة بين نوعية إدارة الحكم في الدول النامية والمعونة والاستثمارات المقدمة لهذه الدول، ويحاج بعض مقدمي المساعدة للديمقراطية والمانحين بأن الربط بين المشروطيات والمساعدة هو توجه في الاتجاه الصحيح، وأن تخفبف الدين والحوافز الأخرى يجب أن تستخدم لتعزيز التحرر السياسي، بينما تثور المخاوف لدى الآخرين من الفصل بين الفائزين والخاسرين وتلك البلدان الأكثر احتياجاً للمساعدة. من المهم الإقرار بأن الفاعلين الخارجيين عادة ما يأتون إلى الطاولة بمفاهيم ومشروطيات معينة متأثرة بالكيفية التي يرون بها إدارة الحكم والتنمية البشرية.
اختصاراً فقد أصبحت إدارة الحكم معياراً هاماً لمصداقية البلد واحترامها في المسرح الدولي، وثمة أسباب تلجئنا للاهتمام بما إذا كانت نوعية إدارة الحكم جيدة عبر العالم، فلخير شعوبها ومن أجل أهدافنا المشتركة فإن قدرة الدول الضعيفة على إدارة الحكم يجب تقويتها، لأن الدول التي يدار فيها الحكم بشكل جيد أقل احتمالاً لأن تكون عنيفة أو فقيرة، فالبلد الذي يحمي حقوق الإنسان ويعزز الإدماج في الحياة العامة يقل احتمال أن يكون لديه مواطنون يشعرون بالاغتراب لدرجة تجعلهم يتحولون للعنف كوسيلة لمواجهة مشكلاتهم، والبلد الذي يكون للفقراء فيه صوت مسموع في حكومتهم يغلب أن يستثمروا في السياسات القومية التي تخفض الفقر، وعندما تكون مصالح الناس وحاجاتهم وحقوق الإنسان في مركز مؤسسات وممارسات إدارة الحكم يمكن تحقيق تقدم حقيقي في محاربة الفقر.
إدارة الحكم الديمقراطية والتنمية
منذ عام 1959 عندما قدم "سيمور مارتن ليبست" لأول مرة ربطاً إمبريقياً بين المستوى المرتفع من التنمية الاقتصادية والديمقراطية المستقرة والمناظرة حول الارتباط بين إدارة الحكم ديمقراطيا والتنمية في تطور، سنقوم أولاً بالاقتراب من القضية بمفاهيم النمو الاقتصادي وحده وليس من منظور التنمنية البشرية الكلي ووفقاً ل"كارلوس سانتيسو" " فقد تمركز هذا الجدل بالأساس حول ثلاث قضايا :
1- ما إذا كانت الديمقراطية تعزز الثروة والنمو.
2- ما إذا كانت الدخول المرتفعة والثروة تعزز الديمقراطية.
3- ما إذا كان هناك تأثير متضافر ومتمازج بين كليهما.
توصل باحثون مختلفون لإجابات مختلفة على السؤال عما إذا كانت الديمقراطية تحفز النمو الاقتصادي أو العكس، فخلص "آدم برزورسكي وفرناندو ليمونجي" إلى أنهما "لا يعرفان ما إذا كانت الديمقراطية تقوي أو تعوق النمو الاقتصادي" وفي دراسته الأحدث قال "برزورسكي" أنه على حين لا يزال المحكمون لم يصلوا إلى قرار بشأن ما إذا كانت الديمقراطيات تولد التنمية الاقتصادية أم العكس فإنه يعظم احتمال استمرار بقاء الديمقراطيات في المجتمعات الغنية" ومن ناحية أخرى فإن " روبرت كابلان" خلص إلى أنه ثمة حاجة لمتطلبات أولية معينة في المجتمع قبل أن تستطيع الديمقراطية مد جذورها منها: مستوى معين من التوظيف والاستقرار الاقتصادي والسلم المدني، وحسب رؤيته فإن التنمية الاقتصادية تزيد من فرص استدامة الديمقراطية.
إلا إن باحثين آخرين مثل "توماس كراوثر" يرون أن التنمية السياسية والاقتصادية متضافرتان ومتداخلتان ويجب ألا يتم فصلهما أو إقامة تتابع بينهما بشكل مصطنع " فالمحاجة بالتتابع يراها العديدون مصطنعة وليست إلا قناعاً للتسلطية" ووفق هذه الرؤية فإن الفقراء بل وكل المواطنين في المجتمع هم الذين يجب أن يقرروا ما إذا كانوا يفضلون الطعام أم التصويت أم كلاهما معاً فهذا الاختيار هم وحدهم وليس غيرهم الذي يتخذونه ومن خلال الممارسة الديمقراطيةوحدها يمكن حسم هذا الاختيار.
وبينما يزعم عادة أن النظم التسلطية أفضل في تحقيق التنمية الاقتصادية فإن التحليلات الإحصائية الشاملة لا تدعم هذه الفرضية: فأولاً وكما وجد "برزورسكي" فإن تحليلات واسعة النطاق تؤكد أنه لا يمكن استخلاص ربط بين النظم التسلطية والتنمية الاقتصادية. ثانياً أثبتت الأزمات الاقتصادية الأخيرة في جنوب شرق أسيا أن إدارة الحكم الرديئة ونقص المساءلة والشفافية يمكن أن تحرف التقدم الاقتصادي عن مساره. وثالثاً فحتى لو أثبتت إدارة الحكم غير الديمقراطية أنها تعزز النمو الاقتصادي فإن إدارة الحكم الديمقراطية ذات قيمة متأصلة ذاتياً للتنمية البشرية باعتبارها تمكن من المشاركة الاجتماعية والسياسية، ذلك أن التنمية البشرية مقياس لما هو أكثر كثيراً من مجرد الرفاه الاقتصادي، فهي عملية تحسين للقدرات الإنسانية بطريقة توسع نطاق الخيارات والمشاركة، وبهذه الشاكلة فإن الديمقراطية وقيمها تستقر في قلب التنمية البشرية، فكما أشار "أمارتيا سن " فإنه نظراً لأهمية الدمقراطية والحرية السياسية في ذاتها فإن إقامة الدعوى لهما تبقى لا يمكن النيل منها".
وبناء على ما سبق يكون الدرس هو: أن استراتيجيات تحسين الأوضاع الإنسانية لا يمكن أن تكون مستدامة وفعالة في الأجل الطويل إلا حينما تكون المجموعة المتأثرة بها منغمسة في كل مستويات عملية صنع القرار، وعلى الرغم من أن العديد من أنماط الحكم بما فيها غير الديمقراطية مثل نظام "كوبا" الحالي أوالنظام "التشيلي" تحت حكم "بينوشيه" قادرة على خفض الفقر في المدى القصير فإنه لا يمكن استدامة هذه الجهود، فلا يمكن القيام بهذا إلا من خلال مشاركة الفقراء الفعالة في القرارات التي تؤثر على حياتهم، وهذه المشاركة تتحقق بشكلها الأقرب إلى الكمال من خلال النظم الديمقراطية.
هذا الدرس يدعمه العديد من الأمثلة في الدول النامية نفسها، ففي "تايلاند" على سبيل المثال تخطط المجتماعات المحلية خططها التنموية وتعبئ مواردها الخاصة لتؤتي ثمارها، وفي "بنجلاديش" جرت تعبئة قرى كاملة، وليس مجرد القطاعات الفقيرة لمحاربة الفقر بمشروعات جماعية مطورة محلياً، وفي "بلغاريا" دربت منظمات المجتمع المدني المحلية العمال المتبطلين على الحصاد ومهارات أخرى. هذه كلها أمثلة لبنى حكومية ومنظمات مجتمع مدني محلية تعمل من خلال مبادئ إدارة الحكم الديمقراطية وتؤثر بشكل مباشر على نوعية حياة المجتمعات المضارة.
الديمقراطية ليست العلاج الذي يداوي كل الأمراض فيما يخص التنمية البشرية واستئصال الفقر فكما حاجج "أمي شوا" في دراسة حديثة فإن الانتخابات والأسواق الحرة في البلدان النامية عادة ما تقود لا إلى الاستقرار والرخاء، بل إلى التوترات العرقية والتمييز وتركيز الثروة في أيدي "قلة مهيمنة على السوق " برغم زيادة القوة السياسية للأغلبية الفقيرة، ولكن برغم هذه الحدود السالفة الذكر فلا تزال الديمقراطية تحمل إمكانات تحقيق هذه الأهداف أكثر من أي نظام آخر للحكومة، فالديمقراطية تخلق الفرص وتحسن قدرات الفقراء والمعدمين، وبهذا الوصف فإن لها قيمة تنموية إنسانية ذاتية. علاوة على هذا يميل أغلب الديموقراطيات المستقرة لأن تكون مستويات الفقر لديها منخفضة، وعلى الجانب العكسي فإن الديمقراطيات التي تترك مواطنيها في فقر ممتد تميل لأن تكون قصيرة الأجل.
لإدارة الحكم الديمقراطية ثلاث مزايا متمايزة على النظم التسلطية: أولاً الديمقراطيات أفضل قدرة على على إدارة الصراعات وتتجنب التغير السياسي العنيف لأنها تقدم للشعب فرص المشاركة في العملية السياسية في البلد. ثانياً :الديمقراطيات أكثر قدرة على تجنب تهديدات البقاء الإنساني على قيد الحياة بسبب المراجعات التي تجريها الأحزاب والنقد غير المراقب للسياسات العامة والخوف من التصويت بالطرد من الحكم. ثالثاً تقود الديمقراطيات لوعي أكبر باهتمامات التنمية الاجتماعية والتي تشمل الصحة والرعاية الصحية الأساسية وحقوق المرأة والأقليات .
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية على الولايات المتحدة جرت مناظرة في الولايات المتحدة - بل حقيقة في العالم أجمع - حول محددات صعود الحركات الأصولية والمتطرفة داخل بعض البلدان الإسلامية. وبرغم أن أسباب الإرهاب الدولي على المستوى الوطني معقدة جداً فإن أحد الرؤى المسيطرة التي جرى التعبير عنها كان مفادها أن الافتقار للممؤسسات والعمليات الديمقراطية في العديد من البلدان يؤدي إلى إقصاء ويدعم التنظيمات المتطرفة لأن أعضاءها ليست لديهم فرصة مناسبة للمشاركة في العملية السياسية في البلد فعلى سبيل المثال أظهر المسح الذي أجراه "بيت الحرية" عام 2001- 2002 وجود "عجز في الديمقراطية" في العالم الإسلامي وبالأخص في المنطقة العربية، فعلى الرغم من أن أغلبية المسلمين يعيشون تحت حكم ديمقراطي باعتبار الأقطار الأكبر من بين هذه الأقطار الإسلامية مثل "أندونيسيا" و"نيجيريا" و"بنجلاديش" و"تركيا" وعدد كبير من المسلمين في "الهند" فإن 11 فقط من بين 47 دولة أي 23 % من الدول ذات الأغلبية المسلمة ذات حكومات منتخبة ديمقراطياً.
تهدف التنمية البشرية لتوسيع قدرات الناس وخياراتهم التي تمكنهم من عيش حياة خلاقة وصحية ممتدة وتمكنهم من المشاركة في صنع القرار الذي يؤثر على حياتهم، وتشمل خصائصها تمكين الناس وتكافؤ الفرص والاستدامة والأمن الإنساني والحرية، وباختبار هذه المجموعة من السمات يصبح أداء البلد التنموي وتوقعاته أوضح، وتشمل هذه الخصائص الهامة العمر المتوقع، وتعلم الكبار، والقيد في المدارس ودخل الفرد.
ومن الخصائص الحيوية للأداء التنموي في مجتمع ما تلك الخصائص التي يصعب التعبير عنها كمياً لكنها كاشفة، وتشمل: الوصول للخدمات، والمشاركة في صنع القرار، والتكافؤ في الدخول والفرص ومستوى التشغيل، والنمو الاقتصادي، ومؤشرات الصحة، والتعليم، والأمن الإنساني، ومن هنا تأتي أهمية تفصيل مؤشرات التنمية البشرية ما أمكن حتى يمكن أن تكشف عدم تكافؤ التنمية على أساس العرق أو الجنس أو السن أوأي أساس آخر، وتماشياً مع هذا الاتجاه تم تطوير مؤشرات معينة لقياس أمور من قبيل تمكين النوع الاجتماعي والفقر البشري (ويشمل الوصول للماء والخدمات الصحية والصحة العامة) والتعليم ووالوصول إلى تدفق المعلومات والأداء الاقتصادي وبنية الاقتصاد الكلي والأوضاع البيئية والحياة السياسية والجريمة والإجهاد الشخصي والعناصر الأخرى للتنمية.
وكما رأينا عاليه فإن إدارة الحكم الديمقراطية هي أكثر نظم إدارة الحكم ملاءمة وصداقة للتنمية البشرية. لماذا وكيف تؤثر إدارة الحكم الديمقراطية بشكل محدد على أداء التنمية الإنسانية؟ إذا أخذنا أولاً المجموعة الأولى من المؤشرات كمثال فإن إدارة الحكم الديمقراطية يمكن أن تساعد على زيادة العمر المتوقع وتحسين تعلم الكبار والقيد في المدارس وترفع دخل الفرد من خلال تقديم نظام للحكومة يستجيب لاحتياجات الناس، فإذا كان الناس يرغبون في رعاية صحية وتعليم ونوعية حياة أفضل – ولابد لنا أن نفترض أن هذه مطامح إنسانية عالمية - فإن إدارة الحكم الديمقراطية تضمن أن الممثلين المنتخبين سيتصرفون وفق إرادة الشعب وبشكل مسئول، وأكثر من ذلك ستضمن نظاماً يضع القيام على حكم القانون والوصول المتساوي للفرص موضعه الصحيح، وكما رأينا سلفاً، فإن نظم إدارة الحكم الأخرى - حتى تلك غير الديمقراطية- يمكنها أيضاً تحسين الرعاية الصحية والتعليم والدخل لمواطنيها لكن مع إنعام النظر في المؤشرات الكيفية للتنمية تبدو المنافع الحقيقية لإدارة الحكم الديمقراطية جلية.
الخلاصة أن أداء التنمية البشرية يمكن أن يتحسن من خلال نوعية الديمقراطية، بما في ذلك خفض قيمة القوة والموارد وحماية حقوق الإنسان وإزالة الفساد ونشر العدل. في مثل هذه البيئة سيصبح الفقراء أكثر حرية في تنظيم أنفسهم وتطوير قدرتهم على العمل الجماعي. في عالم اليوم المعولم آفاق تحسين نوعية الديمقراطية أكبر، إذ يتمتع المواطنون بوصول متزايد للمعلومات والخبرات المقارنة، وأصبح إخفاء الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان عن الأعين أصعب، وأصبح المجتمع المدني أكثر فعالية على المستويين الإقليمي والعالمي.


إطار مفاهيمي
ولاعتبار أخير قد يكون من المفيد تشكيل أداة لاختبار وبحث إدارة الحكم الديمقراطية والتنمية الشرية بطريقة كلية عبر البلدان. هذه الأداة والإطار المفاهيمي ترسم الخطوط العامة للأفكار والعناصر الرئيسية التي تساعدنا في تحديد التقدم المحرز بتجاه إدارة الحكم الديمقراطية وباتجاه التنمية البشرية، لكشف أين تكمن الروابط الأقوى بينهما، ويقوم على مقدمة أولية بأن ثمة ثلاثة أبعاد أساسية يجب أخذها في الاعتبار في دراسة إدارة الحكم الديمقراطية: ماذا وكيف ولماذا. ماذا يشكل إدارة الحكم الديمقراطية (المؤسسات والعمليات والممارسات) وكيف تكون إدارة الحكم ديمقراطية (المبادئ المفتاحية للديمقراطية كشكل إدارة الحكم) ولماذا تصبح إدارة الحكم ديمقراطية (العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر في التنمية وتدعيم الديمقراطية يوضح الشكل (1) التغيير المتبادل الحركي (الدينامي) ما بين العوامل التي تتضمن وتؤثر على نوعية وطبيعة إدارة الحكم الديمقراطيةوحالما نفهم إدارة الحكم الديمقراطية بشكل أكثر اكتمالاً يسهل تقييم آثارها على التنمية البشرية من خلال مدخل يقوم على دراسة عنصر فعنصر.
وتشكل العمليات والمؤسسات المفتاحية لإدارة الحكم الديمقراطية التالية ثلث الحركية (الدينامية) الموضحة في الشكل (1)
الانتخابات والديمقراطية:
الانتخابات هي مكون جوهري في أي نظام ديمقراطي إدارة الحكم لأنها وسائل مباشرة منتظمة لمشاركة المواطن في إدارة الحكم، كما تساعد العمليات الانتخابية الديمقراطية في ضمان أن الحكومة مستجيبة ومسئولة أمام الشعب. مثل هذه النظم والعمليات تصنع معاً القواعد المؤسسة للعلاقة مزدوجة الاتجاه التي تقوم على المشاركة والمساءلة بين المنتخبين وبين أولئك الذي يمثلونهم، فهي تقدم آلية تنتظم وتتجادل من خلالها المصالح المتنافسة وتتحدد خيارات السياسة.
إلا إن الانتخابات كأحداث غير كافية لجعل البلد ديمقراطياً بل نوعية العملية الانتخابية هي التي تعزز إدارة الحكم الديمقراطية، وتشير النوعية هنا إلى انتخابات متعددة الأحزاب ومشاركة فعالة من قبل منظمات المجتمع المدني وانتظام وتوتر الانتخابات وقبول المعارضة لنواتجها، ومن المهم أيضاً قدرة أجهزة إدارة الانتخابات كمؤسسات حاكمة على تحقيق إدارة كفء وشفافة للانتخابات تستند على معايير مقبولة ومقر بها عالمياً.





شكل (1)
تعزيز حقوق الإنسان من خلال ديمقراطية إدماجية
حقوق الإنسان و إدارة الحكم الديمقراطية شديدا الترابط، فلكي يستخد المواطنون قدراتهم لابد أن تكون لهم حقوق معينة غير قابلة للتحول، ولابد أن يتحرروا من التمييز والحاجة والخوف والظلم، ولابد أن يكونو أحراراً في تطوير وتحقيق إمكانتهم وفي التفكير والحديث والمشاركة، وفي العمل دون أن يتم استغلالهم. إن حقوق الإنسان غير قابلة للانقسام، وكل أنواع حقوق الإنسان مهمة: الإجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، والديمقراطية متوافقة مع كل فئات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية، وتحمي إدارة الحكم الديمقراطية وتعزز حقوق الإنسان من خلال حكم القانون والانتخابات المنتظمة، وحكومة ممثلة تستحث مشاركة المواطنين.
إن المؤسسات والآليات التشريعية مطلوبة، سواء لتعزيز وحماية الحقوق من قبل الدولة أو حقوق الدولة وثمة سمات مفتاحية أربع للديمقراطية تقوم على حقوق الإنسان: انتخابات حرة ونزيهة تسهم في المشاركة السياسية، وحرية واستقلال وسائل الإعلام الموصل إلى حرية التعبير، وفصل بين السلطات بين أفرع الحكومة يحمي الناس من انتهاك الدولة أو الأفراد الآخرين لحقوقهم السياسية والمدنية، وتشجيع المجتمع المدني والأحزاب السياسية يعزز حق التجمع السلمي وتكوين الهيئات (النظر الفصل رقم 5)
الديمقراطية على مستوى الجذور (القاعدة) من خلال اللامركزية
تساعد اللامركزية بما تشمله من تفويض السلطة والموارد على تقوية دور وقدرة السلطات المحلية على أن تصبح أكثر استجابية ومساءلة لاهتمامات الجماعات والمجتمعات المحلية، فاللامركزية وإدارة الحكم المحلية تمكن السلطات من إدماج منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص المحلي في صياغة وتنفيذ وإدارة الخطط والسياسات، ويتم تمكين المجتمعات ومنظماتها لتصبح شريكات متساوية في إدارة الحكم المحلية وعملية التنمية الداعمة للفقراء والنوع الاجتماعي والقابلة للاستدامة بيئياً، فالمناطق الحضرية تقدم تحديات معينة تتطلب استجابات معينة فيما يخص تلبية حاجات وتحسين فرص فقراء الحضر، وإقراراً بدور اللامركزية في التنمية المتمركزة حول الناس وفي تعزيز قيم الديمقراطية و إدارة الحكم الرشيدة فإن ثمة اتجاه عالمي نحو لا مركزة السلطة والمسئوليات من المركز للحكومات المحلية والمناطق.
ويمكن أن تأخذ اللامركزية أربعة أشكال: عدم تركيز الوظائف من إدارات الحكومة المركزية للمناطق المحلية، تفويض السلطة لأجهزة شبه مستقلة لأداء وظائف معينة، نقل السلطة والموارد للحكومات المحلية، نقل الوظائف من المنظمات الحكومية إلى المنظمات غير الحكومية بما فيها القطاع الخاص. إن نقل السلطة السياسية والموارد المالية هو أساس الديمقراطية القاعدية أو على مستوى الجذور، برغم أن الأشكال الأخرى من اللامركزية تسهل أيضاً مشاركة الناس في القرارات المحلية التي تؤثر فيهم. (انظر الفصل رقم 6)
تقوية العملية البرلمانية
الفرع التشريعي من الحكومة هو الفرع التمثيلي الأساسي للمؤسسات الحاكمة في البلد، وفي الدول الديمقراطية هو منتدى به تصبح اهتمامات الناس في حكم البلاد مسموعة، ويرتبط دور الفرع التشريعي بشكل عام بصنع القانون والتمثيل والإشراف والمراقبة، وبهذا يضطلع المشرعون بدور حيوي في صياغة شكل استراتيجيات التنمية البشرية، وتحديد أولويات الموارد الموجهة للصحة والتعليم والبيئة وخلق البيئة التي تمكن القطاع الخاص من النجاح والازدهار.
ومع ذلك يوجد في العديد من البلدان النامية فجوات رئيسية بين النظرية والتطبيق في علاقة المشرعين بناخبيهم في الدوائر، فبرلمانات الحزب الواحد التي لا تزال موجودة في العديد من البلان النامية لا تتطرق لمناقشة وجهات النظر الأخرى. إضافة إلى ذلك فإنه حيث تسيطر الجماعات الإقطاعية على البرلمانات تتم عرقلة جهود الإصلاح الرئيسية بسبب المصالح الواسعة لهذه الجماعات، ويمنع الافتقار إلى التعليم ومستويات الدخول المنخفضة أبناء الدوائر الانتخابية من حمل ممثليهم على أن يكونوا موضع مساءلة تجاه حاجاتهم ومطامحهم (انظر الفصل رقم 4)
الإصلاح القضائي- تحسين الوصول للعدالة
إن الإدارة المنصفة وبشكل متساو للعدالة هي أحد الأعمدة الأولى لإدارة الحكم الديمقراطية. إن إطاراً قانونياً وتنظيمياً يتضمن الدستور والنظام الانتخابي والوصول المتساوي للعدالة أساسيان لتكوين بيئة يمكن فيها للتنمية البشرية أن تتطور، فالمواطنون بحاجة لمعرفة أن القوانين ستنفذ وان إدارة العدالة ستكون منصفة لكي يؤمنوا بالنظام. إضافة إلى ذلك فإن نظام العدالة بحاجة لتوفير وصول متساو إليه من قبل الفقراء والأكثر تهميشاً في المجتمع.
هناك أبعاد عديدة للنظام القضائي والوصول للعدالة لها تأثيراتها المباشرة على تعزيز الثقافة والقيم الديمقراطية: استقلال الجهاز التشريعي عن السلطة القضائية، البنى والعمليات بما فيها التخطيط للتنمية المؤسسية وتطبيق حقوق الإنسان وغيرها من الأبعاد ذات الصلة، والجوانب القانونية لعملية حماية البيئة والأمن العام ونظام السجن والوصول للعدالة بما في ذلك من نظام للمساعدة القانونية وتعزيز حلول بديلة للنزاعات وحملات للوعي العام من خلال المجتمع المدني والآليات الأخرى.
دور المجتمع المدني والأحزاب السياسية
تضطلع الأحزاب السياسية والمجتمع المدني بدور حيوي في تعميق الديمقراطية وإدارة الحكم الرشيدة فالمجتمع المدني هو الركيزة الأساسية لإدارة الحكم الديمقراطية، حيث يمكن أن يعمل كقوة حافزة للتغير الاجتماعي الإيجابي، ويمثل المجتمع المدني ومنظماته أصواتاً ومنظورات وقيماً مختلفة في مجتمع تعددي. إن مجتمعاً مدنياً نشطاً ونابضا بالحياة هو عنصر حيوي للتنمية البشرية، لأنه ذلك الجزء من المجتمع الذي يربط الأفراد بالمجال العام والدولة، ويمكن أن يقدم المجتمع المدني مراجعة وموازنة الحكومة والقوة، ووأن يراقب الانتهاكات والمظالم الاجتماعية، وأن يوفر للناس فرصاً لتطوير قدراتهم. اليوم ثمة ثنائية متنامية بين السياسات المحلية والدولية، بمعنى أن المجتمع المدني ينمو على المستوى الوطني وفي الوقت نفسه يتضح دوره من خلال القضايا العالمية مثل البيئة والديون وحقوق الإنسان والأزمة ..إلى غير ذلك.
الأحزاب السياسية مثلها مثل منظمات المجتمع المدني هي قاطرة مهمة مسئولة عن تنظيم وتجميع المطالب المختلفة للمجتمع. ومع ذلك فإن أحد الاختلافات الأساسية - والذي يبرر معالجتها هنا بشكل منفصل - هو أن الأحزاب السياسية تتنافس من أجل القوة السياسية، وعندها القدرة على أن تترجم هذه المطالب المختلفة إلى سياسات عامة إذا تم التصويت لصالح توليها السلطة، ، وعلى حين أن منظمات المجتمع المدني عادة ما ترتكز على قضية، فإنه لابد لأي حزب سياسي أن يطور موقفاً من نطاق عريض من القضايا ومعالجتها من موقفه الأيديولوجي. إن نظاما تعددي الأحزاب نابضاً بالنشاط أساسي لعافية إدارة حكم ديمقراطية، لأنه يكفل أن المواقف تتأسس أيوديولوجياً ويقدم سلسلة من منطلقات العمل يمكن للمواطنين أن يقبلوها أو يرفضوها.
تنغمس منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية بشكل مباشر في العملية الانتخابية وقيام الهيئة التشريعية بوظيفتها وتعزيز وحماية حقوق الإنسان واستراتيجيات مناهضة الفساد والاتجاه نحو اللامركزية و نظم إدارة الحكم المحليةوإدارة الحكم في مواقف الأزمات وما بعدها. بهذا المعنى فإنها تتقاطع ومن ثم تدرس في كلا الفصلين ذوي الصلة.
العولمة والقدرة على ادارة القطاع العام
مؤسسات القطاع العام وونظم الخدمة المدنية هما الأسس المؤسسية لقدرة الدولة على الحكم وصياغة وتنفيذ برامج التنمية ودفع التنمية البشرية لاستئصال الفقر. في اقتصاد اليوم المعولم لابد لمؤسسات القطاع العام أن تقوم بأدوار جديدة لها متطلباتها مثل التخلي عن التخطيط المركزي لصالح الاستراتيجيات التي تشجع نشاط القطاع الخاص وزيادة الاستثمار ومكافأة الاداء الفردي والمؤسسي الجيد وزيادة الانتاجية، واستخدام وإدرارة الموارد بشكل أكثر كفاءة وفاعلية، إن مؤسسات القطاع العام اليوم بحاجة الى التمكين أكثر من التحكم والسيطرة والتنسيق، والتسهيل أكثر من التدخل، وأن يدير أقل ولكن بشكل أكثر كفاءة.
يزيد احتمال أن تصبح المؤسسات السياسية (أجهزة إدارة الانتخابات والبرلمانات وأجهزة مكافحة الفساد ونظم القضاء) فعالة عندما تعمل مؤسسات القطاع العام لتحقيق أهداف متتامة على المستوى القومي، وعندما يكون لدى الموظفين المحليين في إدارات الحكومة القدرة والتوجهات لتحسين وصول خدمات مثل الرعاية الصحيه الأساسية و التوسع الزراعي ورفاه السكان والتعليم وإسكان محدودي الدخل، وبذلك فإن عمل مؤسسات القطاع العام بشكل كفء وقدرة القطاع العام على قيادة عملية صنع السياسة وتنفيذها يمكن أن تعمق الديموقراطية وإدارة الحكم الرشيدة ، وتمكن الدولة من الاستفادة من العولمة (انظر الفصل رقم 7).
التكاملية في إدارة الحكم – مقاومة الفساد
ان عملية التكامل في إدارة الحكم الرشيدة واستراتيجيات مكافحة الفساد تنطبق على ولها تاثيرها ليس فقط على المؤسسات العامة، بل وعلى المؤسسات الخاصة ومنظمات المجتمع المدني أيضاً، ومع ذلك فإن القطاع العام هو الأهم، لأنه المسئول عن ادارة وتخصيص صناديق التمويل العامة والمساعدات الخارجية وتقديم السلع العامة، ومن ثم فإن كفاءته وفاعليته ودرجة الشفافية التي يتمتع بها من الأمور الحيوية التنمية البشرية.
إن التكاملية في الحكم – متضمنة مساءلة موظفي الحكومة وشفافية صنع القرار العام والوصول للمعلومات والمعايير والأكواد الأخلاقية الملزمة - لها تأثير هام على مأسسة المؤسسات السياسية الديموقراطية وعلى استئصال الفقر. إن استثمار المصالح الوطنية والدولية تعتمد كثيراً أيضاً على ثقة المستثمرين في التكامل في إدارة الحكم ومدى إمكانية وجود شخص يمكن مساءلته عن رأسمالهم في نهاية العمل.(انظر الفصل 3)
إدارة الحكم الديموقراطية في مواقف الأزمة وما بعدها
يجد العديد من البلدان نفسه - خاصة في افريقيا - متورط في نزاعات داخلية وخارجية اضطرابات وتشوش اقتصادي واجتماعي. أثناء الازمة وبعدها عادة ما تكون المؤسسات والعمليات الديموقراطية التي تحمي المضارين قد تدمرت، وتصبح في حاجة إلى إعادة البناء، فالدول في مواقف الأزمة وما بعدها لابد أن تواجه مشكلات معينة لإدارة الحكم الديموقراطية لاستعادة الشرعية السياسية، فحقوق الانسان والأمن الإنساني ومعاش الناس تحتاج الدعم لحمايتها ، والمؤسسات التي تتعامل مع مع السلطة القضائية والشرطة والادارة العامة تكون بحاجة إلى إعادة بنائها، والمصالحة السياسية بين الفرقاء من المجتمعات المحلية لابد من إنجازها والسكان المنتشرون في غير مناطقهم لابد من تأهيليهم والمساعدة على اندماجهم في المجتمع، وتحتاج الانتخابات الجديدة إلى تنظيم عادةً تحت إشراف مراقبين دوليين، وتتطلب عمية بناء الديموقراطية في مثل هذه المواقف مدخلاً كلياً.
العوامل السياقية واستدامة الديموقراطية
في النهاية يوضح الشكل رقم 1 العوامل المحيطة التي تتعلق باستكشاف تأثيرات الثقافة والعرق والتاريخ والعوامل الاخرى على نوعية ومضمون مؤسسات إدارة الحكم الديموقراطية والعملية السياسية، ويطرح البعض أن ثقافات معينة تحمل اتجاهاً متأصلاً لا يرحب بالقيم والمؤسسات الديمقراطية، ومع ذلك فإن تحليلاً نقدياً لتطور فكرة الديموقراطية والممارسة الديموقراطية والتقدم العالمي للديموقراطية في إدارة الحكم تشير بخلاف ذلك، ويقترح آخرون أن إدارة الحكم الديموقرطية تتوافق مع وتنمو من قيم الحرية والكرامة الانسانية العالمية، فحيثما أخفقت إدارة الحكم الديموقراطية كان الإخفاق عائداً إلى المؤسسات غير المكتملة أو التطبيق غير الكامل وليس ل"عدم نضج" الدولة المعنية. فحتى الدول ذات التعدد والتنوع الثقافي مثل "الهند"، و "كوستاريكا" ، و"مالي" و "بولندا" و "أندونيسيا" خلصت إلى نتيجة بأن إدارة الحكم الديمقراطية أمر إيجابي دون أن يعني هذا القول بأن عملية إدارة الحكم الديمقراطية ستأخذ الشكل نفسه بالضبط في كل من تلك البلدان، أو أن الديموقراطية ستضرب بجذورها في مجتمعات مختلفة بالسرعة نفسها، فالثقافة والتقاليد المحلية لها تأثيرها على الطريقة التي تبنى بها القيم والنظم الديموقراطية وتتدعم .
إن عملية استقلال وسائل الإعلام ينظر إليها بشكل عام على أنها متطلب أولي لديموقراطية المشاركة، فوسائل الإعلام تؤدي وظيفة هامة في التربية المدنية بتفسير العمليات والمواقف والأحداث السياسية، كذلك الوصول الحر للمعلومات ووسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة والمتلفزة أشياء حيوية وهامة ليصبح المواطنين على علم بالمعلومات، وإذا كان لمؤسسات الحكومة أن تكون عرضة للمساءلة عن أعمالها، فإن وسائل الاعلام في العديد من الديموقراطيات كانت هي التي كشفت الفساد والأشكال الاخرى من انتهاك الثقة العامة لدى الرأي العام والتي منعت المواطنين من تحقيق التنمية البشرية الكاملة .
وبالإضافة إلى الأسباب الداخلية فإن وتيرة الأخذ بالديموقراطية (المقرطة) تتأثر بالقوى العالمية ودور الفاعلين الخارجيين، فشركاء التنمية سواء على المستوى الثنائي أوالمتعدد مهتمون بشكل متزايد بكفاءة المساعدات الإنمائية، فهم يركزون على محورية المؤسسات والممارسات الديموقراطية في تعزيز التنمية التي مدارها الناس، فتتطلب الوتيرة السريعة للعولمة تغيرات نسقية في إدارة الحكم الداخلية وفي معمار إدارة الحكم العالمية، ويكفل هذا أن تعمل العولمة من أجل الجميع وليس من قلة قليلة (انظر الفصل رقم 10).
أحد الأجزاء المكملة في الشكل 1 هو جودة مؤسسات وعمليات إدارة الحكم الديموقراطية، ويلفت هذا الانتباه إلى درجة الوصول والمشاركة والمساءلة والشفافية وحكم القانون ... إلخ والتي توفرها تلك المؤسسات، ولا يكفي مجرد وجود هيكل إدارة الحكم الديمقراطية بل يجب لكي تعمل المؤسسات والعمليات الديمقراطية أن تمتزج بالمبادئ الديمقراطية وأهمها الحرية والمساواة.
من المهم عند بحث الصلات بين إدارة الحكم الديموقرطية والتنمية البشرية أن نتذكر أنه لا يوجد مقاس واحد يصلح للجميع، أي أن الانتقال في كل دولة إلى الديمقراطية وتدعيمها يواجه عوامل محيطة أو سياقية تؤثر على وتيرة طبيعة التغير، وهذا يشمل التطور الديموقراطي ( العهود التاريخية والاستعمارية ) في بلد ما والبناء الطبقي، وتاريخ وحاضر العلاقات المدنية العسكرية، وتاريخ الصراعات وحلها، والاعتبارات والجغرافية والسكانية، ودور المانحيين الدوليين.
عن الكتاب
يناقش هذا الكتاب القضايا الرئيسية في بناء المؤسسات الديمقراطية في البلدان النامية في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والمنطقة العربية وشرق أوربا، ولا يقدم إطاراً لفهم كيف تترابط إدارة الحكم الديمقراطية بالتنمية وحسب، بل ولتقييم الظروف التي تجعل إدارة الحكم الديمقراطية ممكنة، ويختبر الكتاب بناء على دراسات حالة وأمثلة لممارسات إدارة الحكم نوعية المؤسسات والعمليات الديمقراطية، ويحلل الكتاب العوامل السياقية الداخلية والخارجية التي تؤثر على نوعية العمليات والمؤسسات الديمقراطية ، وتعرف المؤسسات على أنها "قواعد اللعبة" الناجمة عن القوانين والقواعد غير الرسمية والبنى التنظيمية.
أحد الأفكار المؤسسة لهذه الدراسة هي أن لتصميم مؤسسات وخصائصها تؤثر بدرجة كبيرة علي سياق ومحتوي عمليات الديمقراطية. إن المؤسسات غير الفعالة لا تؤدي فحسب إلي خنق التحول الاقتصادي بل إلي فشل حماية مصالح الفقراء وغيرهم من الجماعات المعرضة للضرر أيضاً. إن إصلاحات وابتكارات تنظيمية قد تدعم المساءلة في العديد من فروع الحكومة، وتوفر آليات لها من أجل مراجعة بعضها بعضاً، وتعزيز تمثيل جميع قطاعات المجتمع، وظهور ديمقراطية إدماجية، وهي شكل من أشكال الحكومة التي قد تشجع وتحمي مصالح الفقراء والنساء والجماعات الاجتماعية المهمشة. إن المؤسسات والقواعد الفعالة تجعل أداء الأسواق جيداً، وتحسن الحصول علي الخدمات العامة، وتحمي حقوق الإنسان.
وهذا الكتاب يتضمن ثلاث محاجات:
الأولى: هي أن تقوية واستدامة إدارة الحكم الديمقراطية في الدول النامية تتيسر بما يلي:
- الانتخابات الحرة النزيهة التي تجري علي أساس منتظم والعملية الديمقراطية الشفافة والفعالة المبنية علي مبادئ الفصل بين السلطات، والمساءلة الأفقية، والقدرة على إدارة القطاع العام ليتكيف مع الإيقاع السريع للعولمة، والديمقراطية علي مستوي الجذور (القاعدة) من خلال تفويض السلطة سياسياً، كما يحتاج أيضا إلي آليات وعمليات لدعم حقوق الإنسان وحمايتها، ونزاهة الإدارة خلال استراتيجيات مكافحة الفساد الفعالة وتحقيق العدالة خلال إصلاحات قانونية، والقدرة علي إدارة الصراعات خاصة في الأزمة وفي مواقف ما بعد الأزمة.
والثانية هي أن المؤسسات والعمليات التي تتعلق بما سبق تتأثر تأثراً كبيراً بمثل هذه العوامل الداخلية مثل العلاقات المدنية – العسكرية داخل البلاد، والثقافة والدين، والاعتماد المتبادل بين وسائل الأعلام الجماهيرية ومدي الفقر والحرمان بين مختلف الجماعات والمناطق الجغرافية. كما تتأثر أيضا بالقوة الخارجية بما فيها الضغوط من المانحين على المستوى الثنائي، والمنظمات متعددة الأطراف، والمجتمع المدني العالمي.
والثالثة هي أن استراتيجيات الإصلاح التنظيمية للإبقاء علي الديمقراطية وإدارة الحكم الرشيدة يجب أن تقوم علي سياق اجتماعي واقتصادي وسياسي، والاعتراف بشمولية المبادئ الأساسية للديمقراطية وإدارة الحكم الرشيدة والمشاركة، والمساءلة، حكم القانون، والإنصاف، والكفاءة وكذلك الدعم.
في الفصول التالية ستتم دراسة كل من المكونات التنظيمية لإدارة الحكم الديمقراطية من خلال طرح أربعة أسئلة: لماذا يعتبر هذا المكون مهما في دعم القيم الديمقراطية؟ ما هي المعايير، والممارسات والاتجاهات الجيدة في تطوير الاقتصاديات النامية في أسيا، أفريقيا، الشرق الأوسط، أمريكا اللاتينية وكذلك أوروبا الشرقية؟ كيف تؤثر العوامل الداخلية والخارجية – بما فيها العولمة ودور الشركاء الخارجين – علي المعايير والقيم المعيارية؟ كيف تؤثر إدارة الحكم الديمقراطية علي التنمية المتمركزة حول البشر؟ لم تهدف هذه الدراسة إلي تصنيف البلدان بناءً علي أدائها في المؤسسات الديمقراطية أو أداء تطوير البشر بصفة عامة. بل كان الهدف هو دراسة ممارسة إدارة الحكم الديمقراطية والعوامل الهامة المسئولة عن النجاح أو الفشل.
وبناء علي دراسات حالة أصلية عن الأبعاد المختلفة لإدارة الحكم الديمقراطية، والبيانات السنوية، وخبرة المؤلف ببرامج المساعدة الديمقراطية علي المستوي المحلي والعالمي، يحاول هذا الكتاب تجسير فجوة واسعة بين الأدبيات النظرية حول الموضوع وبين الأدوات العملية والممارسات الجيدة المتوفرة لتقوية المؤسسات الديمقراطية أو إعادة بنائها لتحسين نوعية العملية الديمقراطية.
يصف الفصل (1) الاتجاهات نحو الديموقراطية والإدارة الجيدة في سياق العولمة، والعلاقة بين الإدارة والتنمية، وأبعاد المؤسسات الديمقراطية والعوامل التي تؤثر علي نوعية وفاعلية الإدارة في التنمية البشرية، كما يعرض إطاراً عملياً نظرياً لمساعدتنا في دراسة المؤسسات وعملية الإدارة الديمقراطية، وسبل تأثرها بالعوامل الداخلية والخارجية، وتأثيرها على دعم التنمية التي تتركز حول البشر.
يصف الفصل الثاني معايير وقواعد إجراء الانتخابات والممارسة في الاقتصاديات النامية كما تنعكس في دراسات الحالة لبعض الانتخابات الأخيرة، ودور هيئات الإدارة الانتخابية في هذه العملية، والقضايا الأساسية في تحسين شرعية الانتخابات بما في ذلك تثقيف الناخب وتسجيله، ودور المراقبين الدوليين، واستخدام تقنية المعلومات، وتكلفة الانتخابات ودور المجتمع المدني والأحزاب السياسية.
ويتناول الفصل (3) أثر تكامل إدارة الحكم واستراتيجيات مكافحة الفساد علي إدارة الحكم الديمقراطية، وبعد تعريف التكامل في إدارة الحكم، أخلاقيات الممارسة في المؤسسات العامة والفساد، يعرض الفصل أشكال، وحجم، وأسباب الفساد في الاقتصاديات النامية، ثم يحلل أثر الفساد علي نوعية المؤسسات الديمقراطية، وعلي التنمية الاقتصادية والقضاء علي الفقر. يلي ذلك عرض دراسات حالة للممارسات الجيدة في مكافحة الفساد وتحليل القضايا الأساسية لإصلاح السياسة بناءاً علي خبرة الاقتصاديات النامية.
يناقش الفصل (4) العملية البرلمانية وتأثيرها علي صنع القوانين، والتمثيل الديمقراطي، والإشراف على الجهاز التنفيذي، كما يصف نماذج لعلاقات الناخبين بالبرلمانيين، ودور الأحزاب السياسية، وأنماط العلاقات بين فروع السلطة التنفيذية والتشريعية، كما يتناول أيضاً قدرة البرلمان كمؤسسة علي تعزيز تمثيل جميع قطاعات المجتمع، وبناء ثقافة سياسية تتصف بالتسامح.
ويدرس الفصل (5) العلاقة بين حقوق الإنسان وإدارة الحكم الديمقراطية، ويحدد العناصر الرئيسية لمدخل تنموي مبني علي الحقوق. وبعد عرض إطار عملي شامل لحقوق الإنسان، يناقش الفصل أثر الديمقراطية علي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحقوق الأقليات وحقوق الإنسان في مواقف الأزمة، وقدرة مؤسسات حقوق الإنسان في البلدان النامية. كما يستعرض هذا الفصل حقوق النساء وأثر العولمة علي موقف حقوق الإنسان في الاقتصاديات النامية.
يدرس الفصل السادس هذه العمليات والآليات التي تعمق عملية اللامركزية من خلالها الديمقراطية على مستوى القاعدة أو الجذور، ويصف القوى الدافعة التي بسببها تحاول الدول النامية لامركزة سلطة صنع القرار وموارده. كما يعرض الفصل أيضاً بعض الممارسات الجيدة لسياسات اللامركزية الحديثة وبرامجها والعوامل التي تؤثر علي اختيار وتأثير برامج اللامركزية.
ويراجع الفصل ( 7) القضايا الرئيسية لقدرة القطاع العام علي التكيف مع الإيقاع السريع للعولمة. كما يدرس حجم وأثر العولمة علي الاقتصاديات النامية، والدور المتغير للدولة والاتجاهات الحديثة في إدارة القطاع العام الحديث في مناطق مختلفة. كما يعرض الفصل دراسات حالة لابتكارات في القطاع العام في ارتباطها بالدور المتغير للدولة وأجندة الإصلاح لتوفير إطار موصل لتحقيق المؤسسات الديمقراطية.
كما يصف الفصل (8) خبرات البلدان النامية في تحسين الحصول علي العدالة عن طريق تصميم وتنفيذ برامج إصلاح قانونية، كما يتناول استقلالية السلطة القضائية وتأثير البيئة السياسية، والعوامل التنظيمية والمؤسساتية التي تعوق استقلال القضاء، كما يعرض دراسات حالة تتعلق بالحصول علي العدالة علي المستوي المحلي والمجتمعي، ودور منظمات المجتمع المدني في توفير خدمات قانونية مساعدة للفقراء لحماية مصالحهم، وأخيراً يعرض الدروس المستفاد من خبرات الإصلاح القضائي في مناطق مختلفة.
ويراجع الفصل (9) إادارة الحكم في مواقف الأزمة وما بعدها، كما يتناول إمكانية إدارة الحكم الديمقراطية كأداة لإدارة الصراع وحله بالنظر إلى مكونات معينة لكل من هذه المواقف. وأخيراً يعرض بعض أمثلة لإعادة بناء مجتمعات ممزقة تجمع بين قضايا إدارة الحجم والصراع بطريقة عملية.
كانت العوامل السياقية، والداخلية والخارجية التي تساهم في إمكانية استمرار الديمقراطية محل بحث الفصل (10) والذي يبدأ بمراجعة أثر الثقافة والعرقية علي إدارة الحكم الديمقراطية مع التركيز علي العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، ويحاول التعرف علي دور العلاقات المدنية- العسكرية في دعم الديمقراطية، ودور الصحافة ووسائل الإعلام الجماهيرية، وأثر الفقر علي المؤسسات الديمقراطية النامية. أخيراً يحلل الفصل مداخل الشركاء الخارجيين- بما فيهم المانحين على المستوى الثنائي والمنظمات متعددة الأطراف- لدعم وتقوية إدارة الحكم الديمقراطية وفحص الدروس المستفاد من الخبرة.

0 Comments:

Post a Comment

Links to this post:

Create a Link

<< Home